منوعاتهام

تندوف.. تسحر القلوب

لرحاب الجزائر/ ياسين صدوقي

كانت ولا تزال مدينة تندوف المضيافة تعد محور الكرم والعطاء وهي المتربعة في جنوبنا الكبير النابع بالخيرات والإحسان.

مدينة تندوف أو مدينة العمق الجزائري هي إحدى أبرز المدن وأهم الولايات التي تلد لك لوحة فنية فائقة الروعة بجمالها وجمال أهلها وزوارها.

تقع مدينة تندوف في الجنوب الغربي للجزائر وهي تعتبر في الوقت الحالي المعبر الأساسي للقوافل، فهي ملتقى لشتى الثقافات وحتى مختلف المبادلات التجارية العابرة للجنوب الغربي المتوجهة نحو المغرب الأقصى( موريتانية، الصحراء الغربية، مالي ) وهنا دعنا نقفز نحو السوق الشعبي الذي تشهده مدينة تندوف الأم في الجزء الغربي منها بيوم الجمعة، السوق يلقّب بسوق البوليساريو وهو أيضا يعتبر من النقاط الثقافية في المدينة و ليس فقط التجارية، فزائر السوق يشم عبق التاريخ وهو الذي يقلب أنظاره بين العديد من المستلزمات التي تعكس لك ثقافة وتاريخ مناطق وواحات كثيرة وكثيرة في المحيط، فالمتجول هنا يشتري من ثقافة الشعوب أكثر مما يشتري من بضاعتهم.

تندوف هي مدينة أثرية ويرجع تأسيسها حسب المؤرخين إلى القرن الخامس عشر، حيث كانت تنعم بغزارة المياه وكل أوجه الاستقرار والحياة الجميلة، وأيضا هي تعود إلى أقدم العصور الإنسانية حيث عثر بالمنطقة على أثار الإنسان القديم، من منازل بدائية و قبور عملاقة وغيرها… كما أكدت أيضا النقوش والأدوات الحجرية على عمق تاريخها وجذورها بين العصور الإنسانية، اسمها الجميل قد يسحرنا ويطرب أسماعنا فنبحث عنه وعن أصله فنعثر عليه عند الباحث البكري في كتابه مسالك وممالك وهو كلمة تيندوس نسبة إلى أبار حفرها المسافرين غير أنها سرعان ما تزول وتندثر ( يعني الآبار )، وفي نفس المضمار أرجعها المؤرخ حركات إبراهيم لكونها مركزا صحراويا حفر بها المسافرين عبر القوافل التجارية العديد من الآبار إلى غاية انهيار بعضها أو فيضانها، وعندما نحلق نحوها في العصر الحالي فإننا نلاحظ تواجد شبه منعدم للآبار في جل الولاية، وهي التي تحتوي على مدينتين وهما مدينة تندوف العاصمة ومدينة أم العسل، دائرة واحدة ومدينتين فقط تستحوذ على ما يقارب 70009 كلم مربع في تعداد سكاني يتجاوز 45966 نسمة وهم يعيشون في مناخ صحراوي حار وجاف صيفا، ومعتدل في الشتاء، تتراوح درجة الحرارة ما بين 25 و 30 درجة شتاء وما بين 45 و 47 صيفا، ومع هذا فقد عرفت تندوف بليلها البارد طيلة السنة.

تندوف تمتلك شعب يتنافس في الكرم والجود والعطاء كما يحسب لهم أيضاً طيبة القلب ورفعة الأخلاق، لسانهم يتكلم اللغة العربية وكذا اللهجة الحسانية وهي لهجة بدوية مشتقة من العربية وقد جاءت من قبائل بني حسان الذين سيطروا على معظم صحاري موريتانيا ومناطق من ازواد شمال مالي وجنوب المغرب بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر ومن بين أهم خصائص هذه اللهجة هي أنها تنطق كل الحروف العربية مع أنها تستبدل بعضها ببعض و لك من ذلك مثال : – القاف ينطق كالجيم المصرية. – الغين ينطق كالقاف مثلا كلمة المغرب تنطق المقرب. هذه الألسن وهذه الأحرف وغيرها تتجول بين أعرق الأحياء في مدينة تندوف المضيافة ومن بين هذه الأحياء نذكر حي القصابي، حي الرماضين، حي موساني، حي النصر، حي قندهار، حي الأمير عبد القادر، حي الخنقة، حي البدر إلى غيرها من الأحياء التي تنثر الخير والإحسان في كل بقعة يدخلها إنسان بغض النظر عن لونه وشكله، فأهل هذه الأحياء يحبون بني الإنسان وان اختلفوا عنه في اللغة أو المنطقة. هذه الأحياء وغيرها من الأحياء الرائعة تعد من أهم الركائز في المدينة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، وأول ما نبحث عنه في هذه الأحياء وغيرها من المناطق هي تلك المعالم التاريخية التي تسحرك بجمالها ورونق أصلها، ومن بينها على وجه الخصوص تلك القصور التي تعرف محليا بالقصبات ومن أشهرها نذكر : – قصبة أهل بالعمش التي بها مسجد العتيق وزاوية بالعمش وتجد بها أيضا ضريح سيدي محمد المختار بالعمش الأب الروحي للزاوية والذي له مكانة كبيرة جدا عند أهل تندوف وسرعان ما يحدثونك عنه وأنت بالمكان وعن مواقفه وقيمه وأخلاقه ومشواره الإصلاحي في المجتمع.

– أيضا في الآثار والمعالم التاريخية يسحرك حي النهضة برسومه الصخرية، بواديه الذي يلقب بوادي الشق، بقبوره ذات الأعمدة الطويلة أيضا بقايا الأحواض المائية وغيرها العديد من الرسومات الفنية الطبيعة التي ورثها أهل تندوف وهي معالم شرف وعزة لأهل المنطقة. تندوف بكل جمالها يستحيل أن تفتقر للثروات الحيوانية التي لها ميزة خاصة في المدينة ولدى أهلها، كيف لا وأنت تجد في قلب المدينة معلما تاريخيا يسمى بالجمل الذهبي، وفي أرض الواقع تنحدر فتجد أيضا الغزلان، الإبل، البقر، المعز، الضبي، الضبع والعديد من الحيوانات النفيسة ، هذا ودون أن ننسى أنه قد انقرض عدد وفير منها بعد التوسع العمراني الذي شهدته المدينة مع مرور السنين.

ومع وجود هذه الحيوانات ذات القيمة الغالية لا تستغرب وأنت ضيفا عند احد من أهالي تندوف أن ينحر لك إبلاً أو يأتيك بالضبي مع ندرته ليطعمك إياه، فقد قلت عن كرمهم وجودهم وان كانت الكلمات بغزارتها في حقهم تقصير إلا أنهم حقا عنوان الكرم والجود والعطاء .

عندما تود زيارتها وأنت في طريقك إليها قد تتعبك مشقة الطريق إن كنت بالسيارة مسافراً وهذا طبعا لبعد المسافة، ولكن بإمكانك قطع تلك المسافة في الجو وهنا رحلتك بالطائرة تبدوا أروع خاصة وهي توقع لك على عربون التمتع والسعادة في سماء صحرائنا الغالية فتسحر بصور الواحات المتشعبة، وبجمال البدو الرحل المنتشرة يختلط عليك الأمر أهم جنودنا الأشاوس حراس التراب الوطني أم هم مواطنو الجزائر المتواجدين في كل شبر من الكرة الأرضية ؟ تواجد حراس الجزائر الذين جزل رأيهم في الدفاع عن وطنهم ذو أهمية بالغة لأن تندوف لها مكانة مهمة على المستوى الإقليمي والحدودي طبعاً وهي التي شهدت في الزمن الماضي حرب الرمال وذاك بالتحديد سنة 1963.

الجيش الجزائري منتشر بأعداد كثيفة في كل شريطنا الحدودي ليس منه تندوف فقط فالوطن الذي لا نحميه لا نستحق أن نعيش فيه لذا لا تستغرب من وجود الثكنات العسكرية بكثافة كثيرة فحالها يشبه حال تلك القصور الأثرية التي تكلمنا عنها سلفاً ،فالقصور الأولى تحدثك عن أصالة ماضيك والقصور الثانية تروي لك أصالة مستقبلك. زيارتك لمدينة تندوف تجعلك تتمايل طربا وأنت تتذوق أطيب وأروع النسمات التاريخية والثقافية في جنوبنا الكبير، وعند المغادرة تجعلك تتمايل حزنا وأنت تخرج من مدينة كتب الله لها أن يعشق ريحها كل من زارها ودخلها وتبقى بصماتها في القلب محفورة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

ولتبقى في الأخير تندوف هي جوهرة من جواهر الجزائر التي ساحت نسماتها في كل الكرة الأرضية، فزرها إذن لتسحر بذوقها وتنال من جمالها.

اظهر المزيد

رحاب الجزائر

رحاب الجزائر جريدة وطنية إلكترونية جزائرية، رحاب الجزائر / نصلك بالخبر الصادق واليقين أينما تكون ، رحاب الجزائر / نجرؤ على الكلام .. وهذا أضعف الإيمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

avatar
  إشترك  
نبّهني عن
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق